الجمعة، 20 يوليو، 2012

عزيزتي

عزيزتى،
  مرت أعوام عدة و مياه كثيرة جرت تحت الجسور منذ أن رأيتك آخر مرة..و لكنك للأمانة كنت محقة...الميكرويف فعلا اختراع سخيف جدا..الأرز يتكسر و يصير أقرب إلى حبات الرمل الرطبة..و أفخاذ الدجاج فيه تصير مثل قطع البوليمرات التى درسناها سويا فى معامل الكيمياء و الفيزياء...أوه..زمان كثير مضى..ماذا عساى أفعل؟ هو قدرى على أية حال
 طبيبى النفسى شاب مهذب و لطيف عدا أنه يخبرنى باستمرار أننى أعانى من اكتئاب مزمن..أبتلع الإهانة فى كل مرة و أبقى صامتا و لكن أولئك الصبية فى العمارة التي بها عيادته يضغطون باستمرار على زر الأسانسير ظنا أن هذا يجعله يأتى مسرعا أكثر..ناهيك عن الضجة التى يحدثونها... يا لهم من أوغاد ملاعين!
 مازلت مترددا كما كنت..مازالت مسألة عصير البرتقال أم الليمون تشغل مخي و تحيل حياتي تراجيديا إغريقية حقيقية..قبل أن أكتب لك خطابى هذا، فتحت باب الثلاجة و أخذت أحدق هل أشرب الماء الفوّار أم القليل من عصير الفراولة...دخلت في سجال عقلى شديد أرهقنى بشدة فأغلقت باب الثلاجة فى عنف و قررت أن أزدرئ مرارتى
 لم أخبرك بآخر أخبارى..تصوفت مؤخرا و زرت الأولياء و الصالحين و طلبت المدد من الرسول لكننى مازالت الحيرة تقتلنى..أورثتينى أنت الشك و تركتنى لتصبحى مواطنة كاثوليكية صالحة. ألا تذكرين كلامك أن الله هو صنع البشر..أنه ليس سوى خدعة أنثروبولوجية مارسها أجدادنا قديما لتمنحهم الأمان فى زمن الظلام و السباع المفترسة؟ ألم يكن أنت من قال أن المسيح ما عاش يوما؟ كيف آمنت بعذ ذلك؟ أرشدينى
 فى زيارتى الأخيرة لاسطنبول درت مع الدراويش..أسكرنى الوجد..فكرت بزيارتك فى ضيعتك بجنوب فرنسا لنحتسى بضعة كئوس من النبيذ الأحمر المعتق الفاخر و لكنه كان وقت عيد الميلاد فأيقنت أنك تلتفين مع أحفادك حول الشجرة تغنون و تتبادلون الهدايا فآثرت أن أرتحل..يا لك من محظوظة!
 ماذا عنك؟ سأنتظر خطابك الجديد،أرجو ألا يتأخر هذه المرة كسابقيه
 اذكرينى،،

عن السلفية أتحدث!

  فى البدء كان الله و كان الناس مؤمنين كده و حلوين :) بس الموضوع كبر بقى: خرافات و أديان و سياسة و حاجات كتير حتى انتهى بى الحال فى القرن الواحد و العشرين باحثا عن الحق و قابعا أمام شاشة الحاسوب أكتب مقالا عن السلفية! خاب من ظن أن رحلة البحث عن الحق هى رحلة عقل و فكر بحت، بل هى مسألة قلب أيضا، قلب مخلص مستجيب لخالقه مستعد أن يركع أمام الحق حالما وجده. فالهم أرزقنا الإخلاص فيما نفكر و نكتب و اجعلنى أنا الممتلئ بالخطيئة أهلا لأن أبحث عن الحق فى دينك. من الأمور التى أمرنا أن نتعبد بها لربنا هو حسن الظن بأخواننا المسلمين فلا يجوز أن نتهم أحدا بالنفاق أو امتلاك أجندات خاصة أو البعد التام عن الحق فكل منا يتمنى الهداية للآخر حسب ما يراه حقا، أقول هذا فلا يفسقنى سلفى و لا يبدعنى أزهرى أو صوفى. أتحدث هنا عن خواطر شتى جالت بعقلى الفوضوى، هى نتاج حوارات من أيام الجامعة و مخاض أحداث شتى حدثت فى الثورة و بعدها:   1-يميل الإنسان بغريزة قبيحة إلى التحزب و التعصب لرأى و جماعة معينة و هذا مما لا شك فيه مما يستعين به الشيطان على زرع الخلاف و الفرقة بين بنى البشر عامة فالأسهل هو الميل لفرقة أو عرق أو مذهب بعينه فبدلا من وجع القلب بمحاولة فهم الآخر و أفكاره بشكل موضوعى سليم يرى الإنسان العالم بشكل إأوضح على طريقة "هذا-أبيض-هذا-معنا-هذا-أسود-هذا-ضدنا" و لن يستقيم بحث عن الحق الا بمجاهدة هذه الغريزة التى ينشأ عنها حوارات على الفيسبوك من نوعية "انتو السلفيين و احنا الأزهريين"   2-أرى أن هناك لبسا و لغطا تاريخيا مشكل جدا حول نشأة السلفية و دور الإمام محمد بن عبد الوهاب و مذهبه و تحالفه مع سياسة آل سعود و هو إشكال لم يحسم بعد و لا أرى سوى تجاوزه مع التحفظ حتى نفهم واقعنا بشكل أفضل.   3-هناك حتمية لفظية توجب استخدام مصطلحات لتعريف الناس بالأشياء و الأفكار و المذاهب و للأسف تولد هذه الحتمية هوسا بتوسيم الناس كى يسهل تصنيفهم مما أسميه أنا Labelling Obsession أنا شخصيا عندما أتعرف على شخص، يهمنى جدا أن أتعرف على فكره فى كلمة واحدة. تتجلى مساوئ هذه الحتمية فى المتغربين ثقافيا من أمثالى فالانجليزية تستخدم كلمة Salafi  للتعبير عن جماعات الجهاد المسلح الأصولية ثم ينسحب هذا على أى جماعة دينية تصف نفسها بالسلفية مما يثير لغطا لا حدود له   4-المفهوم الدينى الى ساد لقرون طويلة من تقسيم المسلمين إلى خواص من العلماء و عوام من الدهماء يبدو أنه يمضى إلى نهاية فنحن نعيش عصورا من empowering people  يصعب معه اقناع الناس بضرورة التخلى عن محاولة فهم الصراع الدينى المعقد و ترك الأمر للعلماء يتناقشون و يتبحاثون فيه فالناس لم تعد أليفة كما كانت فى الماضى و لا مفر من الوصول للناس بشكل بسيط و فتح قنوات للتحاور.   5-يتولد لدى انطباع دائم بأن الأزهر حزين على ضياع مجده- كمجد الأندلس الضائع- و هذا لن يحل عن طريق مجابهة حركة السلفيين فى الشارع بل عن طريق استقلال الأزهر و انهاء تبعيته للدولة حتى يستعيد مصداقيته و ثقته لدى العامة فالشارع مع كرهه للنظام السابق كره أن يأخذ دينه عن مؤسسة حكومية و هذا مما أراه أنا ذكاء و دهاء فطريا شديدا و لكن آن له أن ينتهى و تكون المفاضلة على أساس من العلم و الاقتناع بأحد آراء الطرفين   6-ليس كل تابع للمذهب أو دارس له يؤخذ منه حجج على المذهب فقد سمعت من منتسبين للسلفية آراء مخزية فى مسألة الخروج عن الحاكم وقت الثورة فى الوقت الذى بات فيه الشيخ محمد عبد المقصود فى ميدان التحرير.إنما الحجة على أعمدة و علماء و مشايخ المذاهب   7-التعميم كما يقول المناطقة و الفلاسفة هو خطأ منهجى فمن الظلم الحكم على عموم السلفية بخطأ و زلة و سقطة أحدهم كغزوة صناديق الشيخ يعقوب أو الحكم على الأزهر بتفتيش الأديرة للزغبى, ناهيك عن استخدام النظام السابق كما هو مثبت فى وثائق أمن الدولة لمسألة الخلاف بين الأزهر و السلفيين كلهاية للشعب! فلنفق إذن   8-أعزى أحيانا كثيرة مسألة الخلاف بين الأزهر و الدعوة السلفية إلى الصراع القومى: الأزهر مؤسسة مصرية عريقة تتلحم جذورها مع التلريخ المصرى بينما الحركة السلفية وليدة سبعينيات القرن الماضى حيث العائدون من الخليج بقناعات و أفكار بل و بملابس لا تمت لنا أو لماضينا بصلة, الحل فى رأيى هو تدويل منصب شيخ الأزهر بحيث لا يكون حكرا على المصريين وحدهم و هى فكرة اقترحها عدد من علماء الأزهر من قبل   9-لمن أراد الإصلاح لا حل إلا الحوار: لو كل واحد هيغنى على ليلاه يبقى مش هنحل حاجة.لا بد من الجلوس لنتكلم و لنفهم بعضنا بعضا بهدوء و احترام و حسن ظن.   10-مما يعيبه المثقفون القوميون على الدعوة السلفية عدم مراعاتها للخصوصية الثقافية و الطبيعة الدينية للمجتمع المصرى فنحن في بلد متعدد الديانات على عكس البلاد التى بدأت فيها الدعوة السلفية و قد يفتقر السلفيون فى كثير من الأحيان لحساسية التعامل مع مسيحيى البلاد حتى و أن كان هذا بانغلاق و عدم انفتاح على الآخر.   11-يغلب على ظنى أن قراءة السلفية للدين هى قراءة ما بعد حداثية post-moden  متعجلة، على عكس قراءة الأزهر للإسلام المتأنية الناقدة الأصيلة و التى تقوم على التعددية المذهبية و عدم الإقصاء و تلك النقطة بالذات لم أجد عليها ردا يشفى فضولى حتى الآن   12-مما أراه أن سوء حالة لتعليم فى هذا البلد ساهمت بشكل كبير فى هذه البلبلة و الفوضى الفكر-دينية و لو انصلح حال التعليم لسقطت كثير من أوجه الخلاف و التباين.   13-أحد أهم مصادر "التوليع" و "الشعللة" هو الإعلام: الرسمى منه و المستقل. يفتقر الإعلام بشكل كبير إلى الموضوعية و يتبنى أجندات مموليه بشكل سافر. أتعجب عندما أقرأ أطروحة دكتوراة لباحثة غربية عن عمرو خالد فأجد أنها تتحرى دقة مفرطة وصلت بها إلى حضور مجالسه بنفسها و أقابل صديق روسى جاء إلى مصر ليعد ماجستير عن احتجاجات الشارع فى مصر فينزل للتحرير يوميا. هذا فى الوقت الذى يجلس فيه الصحفيون فى مصر فى مكاتبهم المكيفة ليكتبوا عن الحركات الاسلامية و يجمعوا فى سلة واحدة بين جماعات الجهاد و السلفيين و الإخوان أو "يستسهلوا" فيتكلمون عن دولارات الخليج التى تمول السلفيين فى زيف ادعاء سخيف.   14-يعانى السلفيون من عقدة اضطهاد رهيبة أورثهم إياها النظام السابق و مناخ الكبت الذى عشناه, أرجو أن نتحرر منه جميعا حتى نستطيع أن نسمع بعضنا جيدا   15-السلفيون شركاؤنا فى هذا الوطن, نزلت أنا للتحرير بصحبة صديق سلفى و آخر صوفى و صليت بجوارهم و أول من رددت وراءه هتافات كانت امرأة منتقبة. فمش "همّا يمشوا" دى مش بلد أبونا, دى بلدنا كلنا. يطرح السلفيون فى السياسة طرحا ثوريا يطيح بقواعد اللعبة السياسية و هذا مما أراه أنا عصفا ذهنيا قد يتولد عنه أفكار أفضل من ديموقراطية الغرب و استبداد الشرق   16-يعلم جيدا علماء الأزهر ما هى "العالمية" الشهادة المعادلة للثانوية قديما و لعلهم يدركون أيضا "العولمة" التى نحياها الآن فالأفكار تنتشر عابرة للحدود فليس الحل هو الإقصاء للسلفيين و مهاجمتهم من على المنابر بل استيعابهم و الحوار معهم و الثقة بمنهاج الأزهر     17-لا أعتقد أننا سنجنى خيرا إذا استمرت حملات مقاطع الفيديو و ثقافة اليوتيوب و نظرية "هات فيديوهاتك" و "أورينى و أوريك" هذا يعبر عن ضية أفق و معلومات و وقائع مجتزئة لا يليق بمسلم عاقل أن يتناولها بالتعليق فضلا عن المشاهدة   18-لم أجد حلا بعد لمعضلة "البيضة ولا الفرخة" أيهما أولا ؟ تعرض على نفسك المذاهب لتختار ما شئت بدون علم و حسب ما يرتاح إليه قلبك؟ أم تدرس العلم أولا ثم تختار؟ علما بأن الأخير يتضمن أن تدرس وفق منهاج و مدرسة بعينها. معضلة!   19- كنت أفكر بصوت عال, فضلا شاركونى التفكير أذكركم بقول المعلمى فى كتابه "رفع الاشتباه": "طبع الإنسان أنه إذا عرف في طائفة أنهم على الحق في كثير من المسائل وعرف في طائفة أخرى أنهم على باطل في كثير من المسائل ثم ذكرت له مسألة اختلفت فيها الطائفتان فإن يتسرع إلى الحكم بأن الحق فيها مع الطائفة الأولى ولو لم يعرف لهم حجة! بل قد تتلى عليه الحجج الموافقة للطائفة الثانية وتكون قوية ولا يعرف حجة للطائفة الأولى ولكنه لا يستطيع دفع هذا الوهم عنه وهذا من أشنع الغلط".

السبت، 14 يوليو، 2012

إليها

عزيزتى،، أقف على عتبة مرحلة جديدة من حياتي. هكذا دوماً تسير بنا الدنيا: مراحل و محطات و عتبات. أودع بيتنا ثانيةً و أرحل إلى المدينة التى تقهر. خائف يا عزيزتي. أنا خائف. هلا كنت بجانبى تمسدين شعري و تربتي على ذراعى النحيل. هلا طمأنتني أن غدا أجمل. أقضي الليل مستيقظاً أفكر فى حكمة الرب من حرماني. أشعر بقلبي و قد ثقب. صدري يشكو من ألم دام أسبوعاً لا ينتوي الرحيل.  الناس من حولى عقلانيون جداً فمالي توحشت مشاعري و اشتعلت بي الرغبات. اعذري شتات أفكاري فهكذا عقلى. عزيزتي، أنا متعب!